الغزالي
48
إحياء علوم الدين
[ 1 ] « أيّما امرئ اشتهى شهوة فردّ شهوته وآثر على نفسه غفر له » وقالت عائشة رضي الله عنها ما شبع رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] ثلاثة أيام متوالية ، حتى فارق الدنيا . ولو شئنا لشبعنا ، ولكنا كنا نؤثر على أنفسنا [ 3 ] . ونزل برسول الله صلَّى الله عليه وسلم ضيف فلم يجد عند أهله شيئا ، فدخل عليه رجل من الأنصار ، فذهب بالضيف إلى أهله ، ثم وضع بين يديه الطعام ، وأمر امرأته بإطفاء السراج ، وجعل يمد يديه إلى الطعام كأنه يأكل ، ولا يأكل ، حتى أكل الضيف الطعام . فلما أصبح ، قال له رسول الله صلَّى الله عليه وسلم « لقد عجب الله من صنيعكم اللَّيلة إلى ضيفكم » ونزلت * ( ( ويُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ) ) * « 1 » . فالسخاء خلق من أخلاق الله تعالى ، والإيثار أعلى درجات السخاء . وكان ذلك من أدب رسول الله صلَّى الله عليه وسلم ، حتى سماه الله تعالى عظيما ، فقال تعالى * ( وإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) * « 2 » وقال سهل بن عبد الله التستري ، قال موسى عليه السّلام ، يا رب ، أرني بعض درجات محمد صلَّى عليه وسلم وأمته . فقال يا موسى ، إنك لن تطيق ذلك ، ولكن أريك منزلة من منازله ، جليلة عظيمة ، فضلته بها عليك وعلى جميع خلقي . قال فكشف له عن ملكوت السماوات ، فنظر إلى منزلة كادت تتلف نفسه من أنوارها وقربها من الله تعالى . فقال يا رب ، بما ذا بلغت به إلى هذه الكرامة ؟ قال بخلق اختصصته به من بينهم ، وهو الإيثار يا موسى ، لا يأتيني أحد منهم قد عمل به وقتا من عمره ، إلا استحييت من محاسبته ، وبوأته من جنتي حيث يشاء . وقيل خرج عبد الله بن جعفر إلى ضيعة له ، فنزل على نخيل قوم
--> « 1 » الحشر : 9 . « 2 » القلم :